الثلاثاء، 5 مايو 2026

بين الألم والضوء… حكاية قلبٍ يتعلّم النجاة

بقلم: حورية الصبحي.


أحيانًا… لا يكون الحزن مجرد شعورٍ عابر،

بل وطنًا ثقيلًا نسكنه رغمًا عنا،

نرتّب فيه ذكرياتنا المكسورة،

ونغطي جراحنا بصمتٍ لا يُرى… لكنه يصرخ في الداخل.


في داخلي مدينةٌ من الألم،

شوارعها صامتة، ونوافذها مغلقة منذ آخر خيبة،

أمشي بين ذكرياتي كغريبة،

ألمس وجوهًا كانت يومًا مصدر أماني،

فأجدها الآن مجرد ظلالٍ باردة… لا تشبهني.


أنا لست بخير…

لكنني أتقن التظاهر،

أبتسم حين يُسألني أحدهم: كيف حالك؟

وأقول: بخير…

وكأن قلبي لا ينزف خلف هذه الكلمة.


هناك وجعٌ يسكنني… لا اسم له،

كأن شيئًا في داخلي انكسر،

ولم يعد كما كان أبدًا.

أشتاق لأيامٍ كنتُ فيها خفيفة،

أضحك دون سبب،

وأنام دون أن أثقل رأسي بالأسئلة،

أما الآن… فكل ليلةٍ معركة،

وكل ذكرى سكين.


ومع ذلك…

لم أتعلم أن أخلع ألمي كما يُخلع معطف،

ولم أعرف كيف أتركه عند باب يومٍ ما،

فبعض الأوجاع لا تعرف التواريخ،

ولا تعترف بالبدايات الجديدة،

بل تسكننا… وتكبر معنا.


أنا لا أبكي لأنني ضعيفة،

بل لأن قلبي امتلأ حدّ الاختناق،

بصبرٍ طويل،

وبخذلانٍ متكرر،

وبكلماتٍ لم تُقال… لكنها قتلتني بصمت.


تعبتُ من كوني قوية أمام الجميع،

ومن كوني هشّة حين أكون وحدي،

من كوني السند… دائمًا السند،

دون أن أجد من يسندني حين أميل.


وفي الليل…

تتكاثر الأسئلة في رأسي،

كأنها نجومٌ سوداء،

تلمع لتذكرني بكل ما فقدت،

بكل ما تمنيت،

وبكل ما لم يحدث أبدًا.


قالوا لي: كوني بخير…

اتركي الحزن، وامضي،

لكنهم لم يروا هذا الداخل المزدحم بي،

هذه الفوضى التي لا تهدأ،

وهذه الذكريات التي لا تنام.


أنا لا أرفض الحياة،

ولا أرفض الضوء،

لكنني لم أتعلم بعد

كيف أعيش دون أن أكتب وجعي.


فالكتابة… ليست ضعفًا،

وليست شكوى للناس،

بل نجاة،

حين يضيق القلب بما فيه،

تصير الكلمات نافذتي،

وأكسجيني الذي أتنفسه.


ربما ترونني أكبر من سني،

لكن الحقيقة أن الحياة

هي من عجّلت بي،

هي من علّمتني أن أكبر

قبل أن أكتمل.


ومع كل هذا…

أنا لا أستسلم،

أنا أحاول…

أتعثر، ثم أقوم،

وأمضي خطوةً خطوة،

حتى وإن كانت بطيئة.


لست أبحث عن الشفقة،

ولا أخشى أن لا يفهمني الجميع،

كل ما أريده…

أن أكون صادقة مع نفسي،

وأن أكون أرحم بهذا القلب المتعب.


إن لم أستطع ترك الحزن،

فسأتعلم كيف أعيش معه،

لكنني لن أترك نفسي وحيدة،

ولن أجعل الألم كل الحكاية.


سأترك دائمًا…

سطرًا صغيرًا من الضوء،

يقول إنني ما زلت هنا،

وأنني… رغم كل شيء،

أحاول النجاة.