بقلم: هادي محمد.
ليست الأم مجرد اسمٍ في شجرة العائلة، أو عاطفةً عابرة يفرضها النداء البيولوجي، بل هي المبتدأ الذي يبدأ منه كل سطر في كتاب العمر، والوجهة التي لا تضلُّ عنها الروح مهما تاهت في دروب المنافي. هي الكيان الذي يمنحنا هويتنا الأولى قبل أن ننطق بكلمة، والوطن الذي نحمله في صدورنا أينما ارتحلنا.
في محراب العطاء، تبدو الأم كالقنديل الذي يحترق بصمت ليضيء عتمة الآخرين؛ فهي الكائن الوحيد الذي يقايض راحته بتعبنا، ويجتزئ من روحه ليرمم انكساراتنا. إنها تلك القوة الخفية التي تستشعر الألم قبل وقوعه، وتداوي الجرح قبل أن يدمي، ليس لأنها تملك سحراً، بل لأن قلبها متصلٌ بنبض أبنائها بحبل سُريٍّ لا يقطعه الزمن ولا تمحوه المسافات.
إن سرَّ الأمومة لا يكمن فقط في الرعاية، بل في ذلك القبول غير المشروط؛ فهي التي تراك كاملاً رغم عيوبك، وعظيماً رغم إخفاقاتك. هي المرفأ الذي نقصده حين تعصف بنا رياح الحياة، فنجد في حضنها السكينة التي لا تُباع ولا تُشترى، وفي دعواتها الحصن الحصين الذي يدرأ عنا نوائب الدهر. هي المعلمة الأولى التي لا تدرسنا من الكتب، بل تغرس فينا الأخلاق بقدوتها، وتسقي فينا بذور الخير بصبرها.
ختاماً، تبقى الأم هي المعجزة الأرضية التي تذكّرنا دائماً بجوهر الرحمة الإلهية. إنها الإرث الذي لا يقدر بثمن، والنور الذي يظل يسطع في زوايا الذاكرة حتى بعد رحيل الجسد. فليكن برّنا بها هو ميثاقنا الغليظ، وطاعتنا لها هي أزكى القربات، فكل فضلٍ نصل إليه هو في الحقيقة ثمرةٌ من ثمار غراسها، وظلٌ من ظلال حنانها الفياض.